محمد بن جرير الطبري

630

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فلما كان من اليمامة على ثلاث ، قال له رياح : أبيت اللعن ! ان لي أختا متزوجه في جديس ، يقال لها : اليمامة ، ليس على وجه الأرض ابصر منها ، انها لتبصر الراكب من مسيره ثلاث ، وانى أخاف ان تنذر القوم بك ، فمر أصحابك ، فليقطع كل رجل منهم شجره فليجعلها امامه ويسير وهي في يده ، فأمرهم حسان بذلك ، ففعلوا ، ثم سار فنظرت اليمامة ، فابصرتهم ، فقالت لجديس : لقد سارت حمير فقالوا : وما الذي ترين ؟ قالت : أرى رجلا في شجره ، معه كتف يتعرقها ، أو نعل يخصفها فكذبوها ، وكان ذلك كما قالت ، وصبحهم حسان فأبادهم وأخرب بلادهم وهدم قصورهم وحصونهم . وكانت اليمامة تسمى إذ ذاك جوا والقرية ، واتى حسان باليمامة ابنه مره ، فامر بها ففقئت عيناها ، فإذا فيها عروق سود ، فقال لها : ما هذا السواد في عروق عينيك ؟ قالت : حجير اسود يقال له الإثمد ، كنت اكتحل به . وكانت فيما ذكروا أول من اكتحل بالإثمد ، فامر حسان بان تسمى جو اليمامة . وقد قالت الشعراء من العرب في حسان ومسيره هذا ، فمن ذلك قول الأعشى : كوني كمثل الذي إذ غاب وافدها * أهدت له من بعيد نظره جزعا ما نظرت ذات أشفار كنظرتها * حقا كما صدق الذئبى إذ سجعا إذ قلبت مقله ليست بمقرفه * إذ يرفع الال راس الكلب فارتفعا